ما أسهل أن نكون جزءاً من المشهد العاطفي للماضي، وما أشق أن نكون جنوداً للحق في حَرّ الحاضر.
هذا هو الهاجس الذي يفرضه علينا استقراء المنعطفات الكبرى في التاريخ الإسلامي، وهو ذاته السؤال المقلق الذي يواجه كل إنسان يؤمن بمبادئ العدالة والحق، لكنه يجد نفسه ضائعاً في زحام الفتن وتشابك المواقف المعاصرة.
وحين نتأمل في تجارب الأمم السابقة، نكتشف أن السقوط لم يكن وليد الجهل بالدين أو تعطيل الشعائر، بل كان وليد أزمة أعمق وأخطر بكثير: أزمة غياب «البصيرة».
خديعة الشكل ومحنة البصيرة
تاريخياً، لم تكن الأمم التي انحرفت عن خط الحق مجرد تجمعات جاهلة بالعقيدة. فشعب الشام الذي سيق بكامله للاعتقاد بأن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليس على حق، ومقاتلو كربلاء الذين توجهوا لقتال الإمام الحسين (عليه السلام) وهم يتقربون إلى الله بزعمهم ويحافظون على المساجد والشعائر، لم يكونوا خارجين عن الدين في تصوراتهم الخاصة.
لقد كانوا محاطين بهالة من التدين الشكلي والعاطفي، لكنهم افتقروا إلى البوصلة الدقيقة التي تميز بين الحق المطلق والزيف المتمسح بالمقدسات.
ما كان حاضراً عندهم
- مساجد عامرة
- شعائر قائمة
- عاطفة حاضرة
ما كان غائباً عنهم
- تمييز الحق من الزيف
- معرفة الإمام والموقف
- بوصلة لا تخدعها المقدسات المزيفة
هذه المفارقة التاريخية تتكرر بأساليب مختلفة عبر العصور. فكم هو سهل على الإنسان أن يمارس طقوس الحزن، وأن يعلن ولاءه القلبي لأهل البيت، وأن يتقن لغة التبرؤ من ظالمي الأمس، لكنه في الوقت ذاته يقف مكتوف الأيدي، أو يسير بوعي أو بدون وعي في ركاب الباطل الراهن.
«الولاية القلبية» وحدها، مهما كانت صادقة، لا تكتمل قيمتها الحقيقية ما لم تُترجم إلى مواقف عملية واضحة في الميدان— من المقال
التكليف المتحول: فخ الجمود التاريخي
من الخطأ القاتل أن يتعامل الإنسان مع «التكليف الشرعي والاجتماعي» بمنطق الثبات المطلق وكأنه قالب جامد لا يتغير. فالتكاليف تتبدل بتغير الزمان والمكان وطبيعة التحديات.
إن المأساة الحقيقية تكمن في أولئك الذين يستغرقون في تقديس الماضي وينجحون في اختبارات التاريخ الافتراضية، بينما يفشلون في امتحان العصر الحاضر.
وهنا يبرز التأويل القرآني العميق لقصة بني إسرائيل في سورة البقرة؛ فحين رفضوا التكليف الحاضر في زمن النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، اعتبرهم القرآن مشاركين ضمنياً في خطايا أسلافهم من قتل الأنبياء وعبادة العجل، رغم ادّعائهم المزعوم بالتمسك بنهج موسى (عليه السلام).
إنها إدانة واضحة لكل من يتغنى بالمظلوميات التاريخية بينما يتخلى عن مسؤولياته في نصرة الحق المعاصر— من المقال
بنو إسرائيل والنبي الخاتم
ادّعوا التمسك بنهج موسى (ع) ورفضوا التكليف الحاضر، فعُدّوا شركاء في خطايا أسلافهم.
أهل الشام
سيق شعب بكامله إلى الاعتقاد بأن أمير المؤمنين علياً (ع) ليس على حق.
سفير الحسين (ع)
تحوّل التكليف من كتابة الرسائل وبث العواطف إلى مبايعة مسلم بن عقيل وطاعته.
مقاتلون يتقربون إلى الله بزعمهم
حافظوا على المساجد والشعائر، وتوجّهوا لقتال الإمام الحسين (ع).
الغيبة الكبرى
قمة الامتحان: غربلة مستمرة تفرز المؤمن الحقيقي من المدّعي.
زمن الغيبة: امتحان الغربلة الحقيقي
تأتي مرحلة الغيبة الكبرى لتشكل قمة الامتحان الإنساني والرسالي. إنها ليست فترة استرخاء وانتظار سلبي تُعطَّل فيها التكاليف الصعبة بحجة انتظار الظهور الموعود، بل هي محطة «غربلة» قاسية ومستمرة تفرز المؤمن الحقيقي من المدعي.
الانتظار الواعي ليس ترفاً عاطفياً، ولا هو اكتفاء بأداء العبادات الفردية بمعزل عن هموم المجتمع. إن رضا صاحب الأمر (عليه السلام) لا يتحقق فقط بترك المحرمات الشخصية أو إقامة الشعائر الضيقة، بل يمتد بالضرورة ليشمل الموقف الاجتماعي والسياسي.
فرفض «الركون إلى الظالمين»، والوقوف في وجه الطواغيت، وانخراط الإنسان في جبهة الإصلاح والمقاومة، هي المعايير الحقيقية لقياس مدى صدق الانتماء لخط الأنبياء والأئمة.
وقفة مع نفسك
اختر ما يشبه حالك اليوم. اختيارك يبقى لك وحدك.